تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 14 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

أفريقيا في 2025: من ساحة للصراع إلى فاعل دولي

31 ديسمبر, 2025
الصورة
أفريقيا في 2025: من ساحة للصراع إلى فاعل دولي
Share

تودع أفريقيا عاما وتستقبل أخر على وقع توترات متزايدة في الأقاليم الكبرى للقارة، فقد شهدت أفريقيا خلال عام 2025 أحداثا مفصلية في مختلف الجبهات، ما جعل القارة حاضرة باستمرار في مسرح الأحداث العالمي، بل عززت بتوالي الأزمات والحوادث من نصيبها في الحصاد الإخباري العالمي، لدرجة احتلال صدارة المشهد في الكثير من الأوقات.

يعد عام 2025 محطة فاصلة في مسار القارة الأفريقية، امتزجت فيها الفرص الاقتصادية الواعدة بالتحديات السياسية والأمنية المعقدة، فهو من منظور تفصلي (الميكرو) عام المرونة الاقتصادية مقابل الاضطراب السياسي. ويبقى في شموليته (الماكرو) عام "إعادة التموضع" الجيوسياسي بالنسبة للقارة.

شرعت بعض المناطق في القارة الأفريقية في التحول - خلال عام 2025 ـ من مجرد رقع جغرافية للتنافس الدولي، تدار فيها الحروب ببين الكبار بالوكالة، إلى فاعل يسعى لفرض أجندته الخاصة في ظل نظام عالمي متعددة الأقطاب. من شأن هذا أن يشكل بداية مسار جديد، قد يدفع نحو صياغة مستقبل آخر لأفريقيا بأيدي وعقول أبناء القارة بعيدا عن "استعمار" الآخر.
 

بين الاستحقاقات الديمقراطية و"عدوى" الانقلابات

اعتُبر عام 2025 "عام الاختبارات الديمقراطية" في القارة مع إجراء انتخابات في أكثر من 10 دول، فالماراثون الانتخابي للعام الحالي لا يقل عن نظيره عام 2024. ما وضع الديمقراطية الأفريقية أمام اختيار حقيقي، خصوصا وأن عددا من الدول المعنية تديرها أنظمة استبدادية، فقد كان العام الذي نودعه مفصليا في مسار الأنظمة ومسيرة الشعوب.

سجلت معظم الأنظمة القديمة صمودها في هذه الانتخابات المفصلية، ففي الكاميرون أوقف القيصر بول بيا (92 عاما) أي انتقال سلمي للسلطة، بفوزه بالاستحقاق الانتخابي ـ 12 أكتوبر/ تشرين الأول ـ لولاية ثامنة تبقيه في الحكم حتى بلوغه سن المئة عام تقريبا. غير بعيد، من حيث الزمان وحتى المكان، حافظت ساحل العاجل على هدوئها النسبي في مشهد سياسي غاية في التوتر، بإعادة انتخابات الرئيس الحسن واتار لولاية رابعة منذ توليه الحكم عام 2011. وعادت غينيا إلى "الحكم المدني" بعد فوز مامادي دومبويا قائد الانقلاب – قبل أربع سنوات - بالانتخابات الرئاسية الشهر الجاري، ما جعله رئيسا للبلاد بنسبة 86٪ من الأصوات. وفي الشرق الأفريقي ظفرت سامية حسن بولاية جديدة في تنزانيا بنسبة 98٪ في اقتراع رافقته احتجاجات ومظاهرات أودت بحياة العشرات من المواطنين.

شكل الصراع في شرق الكونغو الديمقراطية استثناء في القارة، بعد دخول واشنطن على الخط لنزع فتيل الحرب بين الحكومة وحركة M23 المدعومة من رواندا، بعدما كاد الصراع هناك يتحول إلى حرب إقليمية واسعة، في سياق تصعيد غير مسبوق انتهى بسقوط مدن استراتيجية

بالموازاة مع شرعية الصناديق، وإن كانت شكلية في أغلب هذه الاستحقاقات، انتعشت الانقلابات مجددا، لكن بأسلوب ناعم هذه المرة، بعيدا عن القوة وبلا أي عنف أو إراقة للدماء. ففي غينيا بيساو قرر الجيش كسر صندوق الاقتراع لصد المعارضة عن الوصول إلى السلطة، بعد قيامه بانقلاب ضد الرئيس المنتهية ولايته عمر سيسوكو إمبالو ساعات قليلة قبل الانتهاء من عملية الفرز، حيث كان المراقبون يرجحون أن النتيجة كانت لصالح زعيم المعارضة عن "الحزب الأفريقي لاستقلال غبيا بيساو".

تمكن الجيش من بلوغ السلطة في مدغشقر بذات الأسلوب، بعدما استغل الاحتجاجات العارمة لجيل زد، وكانت بدايتها في 25 سبتمبر/أيلول للمطالبة بمحاربة الفساد وإصلاح الإدارة، لكنها تطور سريعا – بدعم من الجيش – إلى إسقاط النظام، ما عبد الطريق أمام الجيش للتدخل لإجبار الرئيس أنديره راجولينا على التنحي، وتعيين العقيد مايكل راندريانيرنا في 17 أكتوبر/ تشرين الأول رئيسا انتقاليا للبلاد.

في هذا الخضم نجحت دول في الحفاظ على التداول السلمي على السلطة، وإبقاء حدة المنافسة في حدودها المشروعة، ففي ماولاي فاز الرئيس السابق بيتر موثاريكا عن الحزب الديمقراطي بالانتخابات بنسبة 56٫8٪ من الأصوات متقدما على الرئيس المنتهية ولايتة لازاروس تشاكويرا عن حزب المؤتمر بفارق كبير. وفي جمهورية سيشل تطلب الحسم جولة إعادة بين زعيم المعارضة باتريك هيرميني والرئيس الحالي ويفيل رامكالاوان، حيث آلت النتيجة للأول بنسبة 52٫7٪ مقابل 47٫3٪ للثاني في جولة الإعادة.

اتساع بؤر الصراع وتطور أدوات الحرب

عززت أفريقيا عام 2025 موقعها كمركز توتر عالمي، فالأزمات في مختلف بقاع القارة أخذت في التمدد والاتساع، فباستثناء فتيل الصراع في شرق الكونغو الديمقراطية الذي حاولت الوساطة القطرية برعاية أمريكية نزع فتيله، بقيت بؤر التوتر الأخرى مشتعلة في مشهد معقد، تتداخل فيه الحروب التقليدية مع التنظيمات العابرة للحدود، وتتقاطع الصراع الداخلية مع مصالح القوى الإقليمية والدولية.

خلافا للتوقعات التي بشرت مطلع هذا العام بوضع حد للمأساة السودانية تفاقم الوضع منذرا بانزلاق البلاد نحو التفتت، بعد تحول المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع من صراع على السلطة إلى خطر تقسيم فعلي للبلاد. طموح ارتكبت من أجل تحقيقه جرائم ضد الإنسانية في حق السودانيين، كان آخرها إقليم كردفان وقبلها حصار مدينة الفاشر الذي فضح ما يسمى بالشرعية الدولية أمام الأشهاد.

إن العالم سمع لأول مرة "الرواية الأفريقية" من الأفارقة بدل البقاء في هوامش التظاهرات العالمية حيث جرت العادة على الحديث باسمهم فقط

غربا، تحولت منطقة الساحل إلى مركز ثقل الإرهاب العالمي، فقد أضحت مالي وبوركينافاسو والنيجر أكثر المناطق نشاطا للجماعات المسلحة الموالية لتنظمي داعش والقاعدة، وبرز تحول استراتيجي خطير تمثل في تمدد هجمات المتطرفين نحو دول ظلت حتى وقت قريب "واحات أمن" في المنطقة، مثل: بينين وغانا والتوغو. سجل المشهد هذه السنة تطور ملفتا تمثل في اعتماد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين خطط عسكرية جديدة على غرار ما حدث في مالي من قبيل: استراتيجية الأرخبيل والحصار الاقتصادي.

للشرق الأفريقي نصيب من التطرف، فعمليات حركة الشباب في الصومال لم تتراجع رغم الجهود الدولية، بل على النقيض نجحت في تنفيذ علميات نوعية مثل: استهداف موكب الرئيس الصومالي وقصف المطار والهجوم على سجن غودكا جيلعو... ينضاف هذا التوتر العابر للحدود بالمنطقة إلى قائمة التوترات التقليدية بين الدول في القرن الأفريقي.

شكل الصراع في شرق الكونغو الديمقراطية استثناء في القارة، بعد دخول واشنطن على الخط لنزع فتيل الحرب بين الحكومة وحركة M23 المدعومة من رواندا، بعدما كاد الصراع هناك يتحول إلى حرب إقليمية واسعة، في سياق تصعيد غير مسبوق انتهى بسقوط مدن استراتيجية (غوما، بوكافو...). بعد وساطة قطرية تم توقيع الاتفاق برعاية أمريكية لا تزال الشكوك قائمة بشأن قدرته على إنهاء النزاع.

صوت الجنوب في المشهد العالمي

شهد عام 2025 احتضان أرض أفريقية لأول قمة لمجموعة العشرين من تنظيم جنوب أفريقيا، التي استطاعت رغم التشويش الأمريكي إنجاح القمة، بفرض أجندة خاصة تعطي الأولوية لاحتجاجات دول الجنوب العالمي، حتى قيل بأن العالم سمع لأول مرة "الرواية الأفريقية" من الأفارقة بدل البقاء في هوامش التظاهرات العالمية حيث جرت العادة على الحديث باسمهم فقط.

اعتُبر عام 2025 "عام الاختبارات الديمقراطية" في القارة مع إجراء انتخابات في أكثر من 10 دول، فالماراثون الانتخابي للعام الحالي لا يقل عن نظيره عام 2024. ما وضع الديمقراطية الأفريقية أمام اختيار حقيقي

بدأت معركة البحث عن موقع في الساحة الدولية مبكرا هذا العام، في قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا التي رفعت شعار "العدالة من أجل الأفارقة" بتشكيل جبهة قارية من أجل الدفاع عن هذا المطلب، بإثارة المظالم التاريخية التي كانت الشعوب الأفريقية عرضة لها. وانسجاما مع ذات المبدأ سجلت القمة موقفا شجاعا بشأن القضية الفلسطينية، فقد كان البيان الختامي صريحا فصيحا بشأن الحرب في غزة، التي اعتبرها إبادة جماعية تستوجب المحاكمة.

وحدة نحو الخارج تخللتها تصدعات داخلية هنا وهناك، فقد شهدت منطقة غرب أفريقيا تصدعا في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس)، بعد قرار ثلاثي الساحل (مالي والنيجر وبوركينافاسو) الانسحاب من التكتل القاري، بتشكيل تكتل بديل منافس "تحالف دول الساحل". سيناريو الانحساب تكرر قبل أيام في الشرق الأفريقي بإعلان إريتريا انسحابها من مجموعة "الإيغاد"، ما قد يؤثر على مساعي رص الصفوف لمواجهة الخارج، فالتصدعات الداخلية لا محالة سوف تؤثر على المشهد العام في القارة.

يبقى حدث الأيام الأخيرة من هذا العام مثالا بارزا على ذلك، إذ لا تزال تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند متلاحقة في القارة، فالإجماع قائم على أن الخطوة محاولة لخلخلة مقومات السيادة في منطقة القرن الأفريقي والدود عن مصالح تل أبيب في المنطقة أكثر منه اهتمام بحق الشعب الصوماليدلاندي في تقرير مصيره.