الأحد 7 يونيو 2026
يعيش الاقتصاد العالمي مرحلةً مثقلة بعدم اليقين. فقد دفعت اضطرابات التجارة والحروب، وتراجع المساعدات الخارجية، وإعادة تشكّل الاصطفافات الجيوسياسية، الحكومات والمستثمرين إلى إعادة النظر في تقديراتهم للمخاطر. في هذا السياق، غالبا ما تُقدَّم أفريقيا باعتبارها الحلقة الأضعف: قارة شديدة الاعتماد على التمويل الخارجي، ومعرّضة للصدمات أكثر من غيرها، وهشّة إلى درجة تعيق قدرتها على التكيّف. غير أن هذه الصورة النمطية تحتاج إلى مراجعة أكثر تأنّيًا.
فعندما خفّضت الولايات المتحدة وغيرها من كبار المانحين مساعداتها الخارجية في العام الماضي، سادت توقعات تنذر بكارثة اقتصادية وشيكة في أفريقيا. لكن ما حدث في أجزاء واسعة من القارة كان مختلفا عمّا توحي به هذه السرديات. فقد أظهرت اقتصادات أفريقية كثيرة قدرة على الصمود تفوق التقديرات المتشائمة. ففي حالة إثيوبيا، مثلًا، حذّر خبراء من أنها ستكون من أكثر الدول تضررًا، غير أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد رفع، في مطلع عام 2026، توقعات النمو في بلاده من 8.9٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة التي كانت متوقعة في يونيو/حزيران 2025، إلى 10.2٪. ووفق توقعات صندوق النقد الدولي الصادرة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ستكون 11 دولة من بين أسرع 15 اقتصادًا نموًا في العالم عام 2026 في أفريقيا، الأمر الذي يجعل القارة أسرع مناطق العالم نموًا.
لم تكن هذه القدرة على الصمود مفاجئة تمامًا، فاستنادًا إلى بيانات تقرير التنمية الاقتصادية في أفريقيا لعام 2024، الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، جرى تقييم أداء 54 اقتصادا أفريقيا وفق معيارين رئيسيين: مدى انكشافها على الصدمات الخارجية، وحجم هشاشتها البنيوية. وشمل التحليل ستة أنواع من الصدمات، هي: السياسية والاقتصادية والديموغرافية والطاقية والتكنولوجية والمناخية، إلى جانب ستة مجالات للهشاشة، هي: الاقتصاد والحوكمة والاتصال والمجتمع والطاقة والمناخ. ومن خلال مقارنة موقع كل دولة بالوسيط الأفريقي، أمكن قياس ما إذا كانت نقاط القوة البنيوية القائمة، التي سبقت الاضطرابات الأخيرة، قادرة بالفعل على التحول إلى قدرة عملية على التكيّف عند وقوع الأزمات.
في وقت يتجه فيه النظام الاقتصادي العالمي نحو مزيد من التشظي، تبدو اقتصادات أفريقية كثيرة في موقع يسمح لها بتجاوز العاصفة بدرجة أكبر مما كان يُفترض
كشف التحليل أن معظم الدول الأفريقية تمتلك ميزة نسبية واحدة على الأقل، وهو ما يقدّم صورة أكثر دقة من تلك التصورات التي تميل إلى رسم مستقبل القارة بلون قاتم واحد. فـ61 ٪ من الدول الأفريقية إما أقل انكشافًا نسبيًا على الصدمات العالمية، أو تمتلك قدرة مؤسسية محلية تمكّنها من امتصاص هذه الصدمات، أو تجمع بين الميزتين معًا. كما أن الدول التي تتفوق في أحد هذين الجانبين تستطيع الاستفادة من نقطة قوتها لتعزيز قدراتها في الجانب الآخر.
لا يعني ذلك أن الاقتصادات الأفريقية تجاوزت تحدياتها. فما زالت التقلبات السياسية والاقتصادية، وفشل بعض الدول، والطوارئ الإنسانية، ومظاهر الهشاشة البنيوية، تلقي بظلالها على بلدان عديدة في أنحاء القارة. غير أن التركيز المفرط على الأزمات يحجب القصة الأهم: قدرة أفريقيا المتزايدة على الصمود. ففي وقت يتجه فيه النظام الاقتصادي العالمي نحو مزيد من التشظي، تبدو اقتصادات أفريقية كثيرة في موقع يسمح لها بتجاوز العاصفة بدرجة أكبر مما كان يُفترض. ولو تعامل صانعو السياسات مع هذا التباين بجدية، بدل النظر إلى أفريقيا باعتبارها كتلة واحدة من المخاطر، لوجّهوا اهتمامهم إلى الاقتصادات الأكثر صلابة بنيويًا، وفي الوقت نفسه صاغوا دعمهم للدول الأخرى وفق احتياجاتها الفعلية: تعزيز القدرة المؤسسية حيث تضعف الحوكمة، وتقليل الانكشاف على الصدمات الخارجية حيث تكون المؤسسات أكثر قوة.
في مطلع عام 2025، أعلنت إدارة ترامب إغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، منهيةً بذلك برامج مساعدات خارجية كانت توفر خدمات الرعاية الصحية، والتدريب في مجال الحوكمة، والدعم التنموي. ولم تكن الولايات المتحدة وحدها في هذا الاتجاه؛ إذ سار مانحون كبار، مثل: المملكة المتحدة وألمانيا، على النهج نفسه، فخفضوا مساعداتهم الخارجية بنسبة 39٪ و27 ٪ على التوالي. وتوقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تكون دول أفريقيا جنوب الصحراء من بين الأكثر تضررًا، مقدّرة أن مساعداتها الخارجية قد تنخفض بنسبة تتراوح بين 16 و28 ٪ خلال عام 2025.
لا شك في أن بعض الدول الأفريقية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المساعدات الخارجية. فمن بين أكثر 20 دولة تتلقى صافي مساعدات من الحكومات الأجنبية قياسًا إلى دخلها القومي الإجمالي، توجد ثماني دول أفريقية. وكانت الدول التي عانت طويلًا من النزاعات، مثل: بوروندي وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيريا وموزمبيق والنيجر والصومال، من بين الأكثر حصولًا على هذه المساعدات. ففي مثل هذه الحالات، لا تمثل المساعدات الممولة حكوميا مجرد دعم تنموي، بل تؤدي دورا إنسانيا مباشرا وحيويا.
لكن أثر هذه التخفيضات لم يكن واحدا في كل مكان. فقد حذّر محللون، مثلًا، من التداعيات القاسية التي يمكن أن تتركها تخفيضات المساعدات على القطاع الصحي. ففي مالاوي، كان نظام الرعاية الصحية يعتمد إلى حد كبير على برامج أميركية بلغ تمويلها في عام 2022 ضعف ميزانية الصحة الوطنية، ما جعل البلاد رابع أكثر دولة اعتمادًا على الولايات المتحدة في هذا المجال على مستوى العالم. وعندما دخلت التخفيضات حيّز التنفيذ، وجدت الحكومة صعوبة في تعويض هذا التمويل، ما أدى إلى إغلاق بعض الخدمات.
عام 2025، جمعت الحكومات الأفريقية نحو 18 مليار دولار من أسواق رأس المال الدولية. مع ذلك، استطاعت دول أفريقية كثيرة أن تجد سبلًا للتكيّف. فقد تحركت إثيوبيا وغانا ونيجيريا بسرعة للحد من أثر تقليص المساعدات الأميركية، وطبّقت سياسات تهدف إلى توجيه مزيد من الموارد المحلية نحو ميزانيات الصحة. ففي عام 2024، مثّل تمويل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية نحو خُمس ميزانية الصحة في نيجيريا. لكن بعد أقل من شهر على إعلان إدارة ترامب إغلاق الوكالة، تمكنت أبوجا من تعبئة ما يقرب من نصف هذا المبلغ لسد العجز. وفي الوقت نفسه، فرضت إثيوبيا ضريبة جديدة لتعويض التمويل الذي كانت توفره الوكالة، بينما رفعت غانا القيود المفروضة على ضريبة التأمين الصحي الوطنية، وخصصت موارد إضافية للبرامج الصحية والاجتماعية. وقد أتاح وجود حوكمة أقوى وقيادة أكثر فاعلية ومؤسسات أكثر قدرة لهذه الدول أن تستجيب بسرعة أكبر.
تكررت الصورة نفسها تقريبًا في ملف التجارة، فعندما أدت الرسوم الجمركية القاسية التي فرضها ترامب إلى اضطراب التجارة العالمية أكثر من مرة في العام الماضي، كانت الدول والقطاعات الأفريقية ذات الروابط التجارية المكثفة مع الولايات المتحدة هي الأكثر تضررًا. ففي ليسوتو، مثلًا، ورغم امتلاك البلاد أسسًا بنيوية قوية نسبيًا، كانت صناعة الملابس شديدة الانكشاف على الرسوم الأميركية، لأن السوق الأميركية تستوعب الجزء الأكبر من صادراتها النسيجية. وكانت النتيجة إغلاق مصانع وفقدان وظائف.
غير أن دولًا أخرى أظهرت قدرة أوضح على الصمود. فالسوق الأميركية لا تستحوذ على أكثر من 5٪ من إجمالي الصادرات إلا في 13 دولة أفريقية فقط. أما اقتصادات كبرى مثل: كوت ديفوار ومصر والمغرب، فقد بدأت بالفعل تنويع علاقاتها التجارية عبر توسيع شراكاتها مع أسواق إقليمية وأوروبية وآسيوية. وفي عام 2025، تمكنت الحكومات الأفريقية من جمع نحو 18 مليار دولار من أسواق رأس المال الدولية، مقارنة بـ12.85 مليار دولار في العام السابق، في حين انخفض متوسط تكلفة التمويل بمقدار 100 نقطة أساس ليصل إلى 7.7 ٪. ويشير ذلك إلى أن الأسواق أصبحت تنظر إلى الديون الأفريقية بوصفها أقل خطورة، رغم الاضطرابات العالمية. كما رفعت وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز تصنيف سبع دول أفريقية في عام 2025، مستندةً إلى تحسن آفاق النمو وتسارع الإصلاحات الاقتصادية الكلية والمالية.
يعكس هذا التباين في النتائج اختلافات بنيوية عميقة بين الدول الأفريقية، فهناك عاملان رئيسيان يحددان قدرة أي اقتصاد على الصمود: الانكشاف والهشاشة. ويقصد بالانكشاف مدى قابلية الاقتصاد للتأثر بالصدمات الخارجية، مثل عدم الاستقرار الجيوسياسي، واضطرابات سلاسل الإمداد، والضغوط الديموغرافية، والاعتماد على واردات الطاقة، والتحولات التكنولوجية، والمخاطر المناخية. أما الهشاشة، فتقيس قدرة الدولة على استخدام أدوات السياسة العامة في أوقات عدم اليقين، وهي ترتبط بقوة الاقتصاد المحلي، وجودة المؤسسات، وكفاءة البنية التحتية المادية والرقمية، ومدى حصول السكان على الكهرباء والخدمات الاجتماعية، وقدرة البلاد على مواجهة آثار تغير المناخ.
لا تحتاج الدول إلى التفوق في العاملين معًا حتى تعزز صمودها؛ إذ يكفي أن تمتلك مستوى منخفضًا من الانكشاف أو مستوى منخفضًا من الهشاشة لكي تبني قدراتها في الجانب الآخر. فالدولة التي تتمتع بحوكمة جيدة ومؤسسات قوية تستطيع، مع الوقت، أن تقلل درجة انكشافها على الصدمات الخارجية. أما الدولة الأقل تعرضًا لهذه الصدمات، فتملك هامشًا أوسع من الوقت والموارد للاستثمار في تقوية مؤسساتها.
عند قياس الاقتصادات الأفريقية وفق درجة انكشافها على الصدمات الخارجية ومستوى هشاشتها، تبرز أربع فئات رئيسية، تعكس كل منها المسار الذي يمكن أن يسلكه الاقتصاد أو يحتاج إلى سلوكه. الفئة الأولى هي الرواد؛ وهي اقتصادات أكثر صلابة، تجمع بين انخفاض الانكشاف وانخفاض الهشاشة، لذلك تمتلك أكبر مساحة للنمو في المدى القريب. أما البناة، فهم دول منخفضة الانكشاف، لكنها مرتفعة الهشاشة، وتمتلك إمكانات واعدة إذا نجحت في معالجة ضعف مؤسساتها. وتضم فئة المتكيفين الدول ذات الانكشاف المرتفع والهشاشة المنخفضة؛ وهي دول لديها فرصة للنمو، لكنها تحتاج إلى الحفاظ على قدر عالٍ من المرونة في أوقات الاضطراب الاقتصادي الدولي. أما المثبّتون، فهم الدول التي تجمع بين الانكشاف المرتفع والهشاشة المرتفعة، وتُعد الأكثر هشاشة، إذ تحتاج أولًا إلى ترسيخ السلام والاستقرار قبل أن تتمكن من تحقيق تنمية مستدامة. ومع ذلك، يحقق عدد من هذه الدول أداءً اقتصاديًا جيدًا رغم صعوبة الظروف.
فعلى سبيل المثال، تسجل موريشيوس 68 نقطة في إجمالي الانكشاف و111 نقطة في إجمالي الهشاشة، وكلا الرقمين أدنى من الوسيط الأفريقي، ما يضعها ضمن فئة الرواد. في المقابل، تسجل جنوب السودان 299 نقطة في الانكشاف و481 نقطة في الهشاشة، وكلاهما أعلى من الوسيط، وهو ما يضعها ضمن فئة المثبّتين. ولا تعكس هذه التصنيفات قابلية الدول للتأثر بصدمة محددة، مثل تراجع المساعدات أو فرض الرسوم الجمركية، بل تكشف خطوطها البنيوية الأساسية، أي القدرات الكامنة التي يمكن أن تستند إليها عندما تواجه الاضطرابات، أيًا كان شكلها.
لو أدرك صانعو السياسات خارج أفريقيا حجم هذه القدرة على الصمود، لوجهوا مزيدًا من رأس المال نحو دول الرواد، حيث توفر المؤسسات المستقرة والاقتصادات المتنوعة مستويات مخاطر أقل مما توحي به السرديات السائدة
وبوجه عام، يبيّن التحليل أن معظم الاقتصادات الأفريقية تمتلك ميزة بنيوية كبيرة واحدة على الأقل، وأن 21 اقتصادًا منها تجمع بين الميزتين معًا. وهذا يساعد في تفسير السبب الذي جعل قدرة أفريقيا على الصمود خلال العام الماضي تتجاوز التوقعات. فالدول الـ21 المصنفة ضمن فئة الرواد تستفيد من قواعد قوية للموارد المحلية، واقتصادات أكثر تنوعًا، ومؤسسات أكثر متانة، ما يمنحها خطوط دفاع متعددة في مواجهة الصدمات الخارجية. وتنتشر هذه الدول في مختلف مناطق القارة، وتشمل بلدانًا ذات ظروف متباينة. فرواندا، مثلًا، دولة خارجة من الصراع، لكنها ركزت على تطوير مؤسساتها العامة وتسهيل الاستثمار. وفي موريشيوس، ساعدت سياسات مبتكرة، مثل تبسيط تصاريح العمل وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، على تحويل القيود الجغرافية إلى مزايا. أما الجزائر وبوتسوانا، فتقدمان مثالين على قدرة الحوكمة الفعالة على تحويل الثروة الطبيعية إلى مصدر قوة بدل أن تكون عبئًا.
تُعد جنوب أفريقيا مثالًا واضحًا على الكيفية التي يمكن بها لانخفاض الانكشاف وانخفاض الهشاشة أن يعزز كل منهما الآخر. فاقتصادها المتطور والمتنوع يقلل اعتمادها على سلعة تصديرية واحدة أو مورد واحد، كما أن أسواقها المالية ومؤسساتها القوية تمنحها مساحة أوسع لاستخدام أدوات مختلفة في مواجهة الاضطرابات. وخلال عامي 2024 و2025، حين تكاثرت صدمات التجارة العالمية، استطاعت جنوب أفريقيا الحفاظ على استقرار عملتها، وإعادة توجيه صادراتها إلى أسواق أخرى داخل القارة وخارجها. ونمت صادراتها الزراعية بنسبة 10٪، كما عملت حكومتها على تعزيز علاقاتها مع شركاء آخرين، من بينها الصين، من خلال اتفاق تجاري جديد يمنح بعض المنتجات الجنوب أفريقية دخولًا معفى من الرسوم إلى الأسواق الصينية، ويضمن في الوقت نفسه استثمارات صينية.
أما البناة فيواجهون قيودًا مؤسسية أو بنيوية أكبر، لكن محدودية انكشافهم الخارجي تمنحهم مساحة لالتقاط الأنفاس. ويمكن النظر إلى مدغشقر مثالًا على ذلك. فالسوق المحلية الكبيرة وتنوع الموارد الطبيعية يخلقان إمكانية حقيقية لنمو قائم على الاعتماد الذاتي، لكن ضعف الحوكمة ومحدودية البنية التحتية أعاقا قدرة البلاد على الاستفادة الكاملة من هذه الإمكانات. وعندما بدأت المساعدات الخارجية العالمية في التراجع منذ عام 2024، واصل اقتصاد مدغشقر العمل بصورة طبيعية نسبيًا، إلا أن عدم الاستقرار السياسي ترك فرصًا كثيرة من دون استثمار.
أما المتكيفون الستة، فيواجهون وضعًا معاكسًا. فاقتصاداتهم شديدة الانكشاف على الخارج، لكن مؤسساتهم أو نظم حوكمتهم الأقوى نسبيًا تجعلهم أكثر قدرة على الاستجابة السريعة. فغانا، مثلًا، تواجه انكشافًا مرتفعًا على تقلبات أسعار السلع الأساسية وضغوطًا ناتجة عن الديون، غير أن جهازها البيروقراطي الفعال مكّنها في مايو/أيار 2025 من إكمال إعادة هيكلة ديونها في الإطار المشترك لمجموعة العشرين، والخروج من حالة التخلف الانتقائي عن السداد بعد إتمام تبادل سنداتها الأوروبية مع الدائنين. ثم حصلت لاحقًا، في نوفمبر/تشرين الثاني، على رفع إضافي في تصنيفها الائتماني، مدعومة بارتفاع إيرادات صادرات الذهب والكاكاو. وفي كوت ديفوار، ساعدت عائدات صادرات الكاكاو على تنويع الاقتصاد وتمويل التصنيع، ما خفف من حدة المشكلات الناتجة عن ارتفاع الانكشاف الخارجي. وتوضح هذه الحالات كيف يمكن للقيادة الفعالة أن تستخدم ميزة قائمة في أحد الجانبين لبناء قدرة أقوى في الجانب الآخر.
قد تبدو ليبيا، المعروفة عمومًا بضعف الحوكمة، حالة مفاجئة ضمن فئة المتكيفين. لكن عائدات النفط الليبية موّلت تاريخيًا بنية تحتية وخدمات اجتماعية ما زال بعضها قادرًا على العمل حتى اليوم، رغم التآكل الذي سببه التشظي السياسي. ففي الماضي، كانت كل الأسر الليبية تقريبًا تحصل على الكهرباء، ولا تزال نسبة 73٪ قادرة على الوصول إليها. وتوضح ليبيا أن العوازل البنيوية يمكن أن تتشكل حتى في ظل الضغط السياسي. لكنها، من دون استثمارات مدروسة وحوكمة خاضعة للمساءلة، قد تنزلق إلى فئة المثبّتين.
وتواجه إحدى وعشرون دولة أفريقية، هي دول المثبّتين، ضغوطًا خارجية شديدة وقيودًا مؤسسية في الوقت نفسه. غير أن كثيرًا من هذه الدول أكثر قدرة على الصمود مما توحي به سرديات الأزمة. فاقتصادات كبرى، مثل نيجيريا وإثيوبيا، تقع ضمن هذه الفئة، لكن تحركها السريع ردًا على تخفيضات المساعدات أظهر قدرة على التكيّف نشأت تحت الضغط.
ليست القدرة على الصمود سمة ثابتة في أي اقتصاد، بل هي قدرة يمكن بناؤها وتطويرها مع الوقت. فالدول تستطيع أن تنطلق من نقاط قوتها القائمة لمعالجة مواطن الضعف، وفتح مسارات أكثر استقرارًا للنمو. ومن أبرز هذه النقاط قدرة الحكومات على تعبئة الموارد المحلية. فالاقتصادات الأفريقية الأكثر صمودًا، بما في ذلك أفضل الدول أداءً ضمن فئة الرواد، تتجاوز النسبة التي يوصي بها البنك الدولي للإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي، والبالغة 15 ٪.
تمنح هذه القدرة المالية الدول هامشًا مهمًا من المرونة عندما يتراجع التمويل الخارجي أو يتذبذب الاستثمار. فالحكومات القادرة على مواصلة الاستثمار العام في أوقات اضطراب التمويل الخارجي تستطيع تجنب تدهور البنية التحتية أو توقف الخدمات الأساسية، وهي مشكلات تؤدي عادة إلى تعميق الهشاشة الاقتصادية. وتبلغ تونس متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، البالغ 34٪، بينما تقترب منه كل من المغرب وسيشل وجنوب أفريقيا. كما تمتلك ثماني دول أفريقية نسبة ضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي أعلى من المتوسط المسجل في دول أميركا اللاتينية، في حين تتجاوز تسع دول أفريقية متوسط منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
لا يقتصر الأمر على تعبئة الموارد، فعدد كبير من أكثر دول أفريقيا صمودًا يعمل أيضًا على إعادة تشكيل اقتصاده. فالمغرب، على سبيل المثال، نقل قاعدته الصناعية نحو قطاعات أعلى قيمة، مثل صناعة السيارات والطيران والطاقة المتجددة. أما موريشيوس، فقد جعلت من رأس المال البشري وجودة الحياة محركين للإنتاجية الاقتصادية، وحققت نتيجة لافتة في مؤشر التقدم الاجتماعي العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة 56 من بين 171 دولة. وفي السياق نفسه، عملت دول أخرى، مثل تونس، على تنويع اقتصاداتها وتقليل اعتمادها على قطاعات محدودة.
تختلف نماذج التنويع الناجح من بلد إلى آخر، لكنها تتقاطع في سمات أساسية. فقد استطاعت بعض الاقتصادات أن تستفيد من مزاياها النسبية القائمة، وفي الوقت نفسه تبني قدرات جديدة. ويقدم قطاع السيارات في المغرب مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ انطلق من قاعدة صناعية موجودة، وعمّق ارتباطه بالأسواق الأوروبية، ثم طوّر شبكات مورّدين باتت تخدم الأسواق العالمية.
كما يتعزز التكامل الإقليمي تدريجيًا داخل القارة. فعلى الرغم من أن حصة التجارة البينية الأفريقية من إجمالي تجارة القارة لا تزال منخفضة نسبيًا، إذ بلغت 14.4٪ عام 2024، فإن قيمة هذه التجارة زادت بنسبة 12.4٪ بين عامي 2023 و2024. ويتيح هذا المسار للاقتصادات الأفريقية أن تنمو عبر خدمة الأسواق الإقليمية أولًا، قبل الانتقال إلى منافسة أوسع في الأسواق العالمية. فقد زادت نيجيريا، مثلًا، صادراتها إلى الدول الأفريقية بنسبة 14٪ خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2025. ويتوقع البنك الدولي أن تنمو الصادرات البينية الأفريقية بنسبة 109٪ بحلول عام 2035، إذا نُفذت منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وهي مبادرة أطلقها الاتحاد الأفريقي عام 2019، تنفيذًا كاملًا.
ليست القدرة على الصمود سمة ثابتة في أي اقتصاد، بل هي قدرة يمكن بناؤها وتطويرها مع الوقت. فالدول تستطيع أن تنطلق من نقاط قوتها القائمة لمعالجة مواطن الضعف، وفتح مسارات أكثر استقرارًا للنمو. ومن أبرز هذه النقاط قدرة الحكومات على تعبئة الموارد المحلية
من الواضح أن ضعف الحوكمة يمكن أن يحد من قدرة الاقتصادات الأفريقية على النمو والتكيّف. لكن قدرات الحوكمة تختلف اختلافًا واسعًا من بلد إلى آخر داخل القارة. فالرأس الأخضر، مثلًا، تسجل أداءً أفضل بنحو خمسة أضعاف من الوسيط القاري في تصنيف الهشاشة المرتبطة بالحوكمة الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لعام 2024، بينما تحقق موريشيوس نتيجة استثنائية أفضل بنحو 26 مرة. وهذا يعني أن دولًا أفريقية كثيرة تمتلك بالفعل الحد الأدنى الضروري لتحويل قرارات السياسة العامة إلى استجابات اقتصادية فعلية عندما تقع الصدمات.
تمثل قدرة أفريقيا على الصمود واحدًا من أهم التحولات في الاقتصاد العالمي، رغم أنها لا تحظى بما يكفي من الانتباه. والطريقة الأدق لفهم أفريقيا في هذه المرحلة هي النظر إلى الفروق العميقة بين دولها، لا التعامل معها ككتلة واحدة. فهذه الفروق تكشف عن مزايا غير متوقعة تستخدمها دول كثيرة للمناورة وسط اضطراب اقتصادي عالمي متزايد.
وفي المرحلة المقبلة، تستطيع الدول الأفريقية أن تبني على نقاط قوتها القائمة. فدول الرواد قادرة على توظيف استقرارها لدفع نمو الإنتاجية، وتطوير تكنولوجيات جديدة، وقيادة مسار التكامل الإقليمي. أما دول البناة، فستحتاج إلى تقوية مؤسساتها حتى تتمكن من تحويل إمكاناتها إلى نمو فعلي. وفي المقابل، ينبغي على دول المتكيفين أن تستخدم قوتها المؤسسية لتقليل درجة انكشافها على الصدمات الخارجية بصورة أكثر فاعلية.
أما الدول المتأثرة بصراعات نشطة، أي دول المثبّتين، فتحتاج أولًا إلى الحد الأدنى من السلام والأمن قبل أن تتمكن استراتيجيات الصمود الاقتصادي من الترسخ. ومع ذلك، حتى في هذه البيئات الصعبة، يواصل المواطنون المقيمون في الخارج إرسال تحويلات مالية إلى أوطانهم بأحجام تتجاوز غالبًا حجم المساعدات الخارجية التي كانت تصل إلى تلك المجتمعات قبل التخفيضات الأخيرة. فقد تلقت نيجيريا، مثلًا، 20.93 مليار دولار من التحويلات الشخصية عام 2024، مقارنة بـ3.37 مليار دولار من المساعدات المقدمة من حكومات أجنبية.
يمكن للهيئات الإقليمية، وفي مقدمتها الاتحاد الأفريقي، أن تؤدي دورًا أكبر في توجيه التمويل عبر الحدود. ويشمل ذلك خفض تكلفة إرسال الأموال، من خلال دعم الابتكارات التكنولوجية التي تجعل المدفوعات العابرة للحدود أقل كلفة، والإسراع في تنفيذ بروتوكول التجارة الرقمية التابع لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. ومن شأن ذلك أن يساعد الدول المعرضة للصراع على تقليل اعتمادها على المانحين المؤسسيين، وبناء مصادر تمويل أكثر استقرارًا وارتباطًا باقتصاداتها ومجتمعاتها.
لو أدرك صانعو السياسات خارج أفريقيا حجم هذه القدرة على الصمود، لوجهوا مزيدًا من رأس المال نحو دول الرواد، حيث توفر المؤسسات المستقرة والاقتصادات المتنوعة مستويات مخاطر أقل مما توحي به السرديات السائدة. كما كان بوسعهم العمل مع اقتصادات المتكيفين والبناة لمعالجة نقاط الضعف التي تعيق تقدمها. وعند النظر إلى أفريقيا، بات من الضروري إعادة ضبط تقييمات المخاطر بالكامل. فقد أثبتت غالبية دول القارة أن التمويل الخارجي يمكن أن يكون مكملًا للقدرة المحلية، لا بديلًا منها، وأن فرصًا اقتصادية واسعة تنتظر من هم مستعدون للتخلي عن الافتراضات القديمة.