الاثنين 9 مارس 2026
تقرير آفرو باروميتر هو أحد أهم أدوات القياس الاجتماعي والسياسي في أفريقيا لأنه يعطي صوتًا مباشراً للمواطن العادي، ويجسر الفجوة بين ما تعتقد الحكومات أنه تحقق وبين ما يشعر به الناس بالفعل. الشبكة بدأت منذ 1999، وتوسّعت عبر جولات متعددة حتى وصلت الجولة العاشرة التي تغطي 38 دولة، مع خطط لتوسيع التغطية إلى حوالي 42 دولة بحلول 2026.
منهجيًا، تعتمد آفرو باروميتر على مقابلات وجهًا لوجه مع عينات ممثلة ديموغرافيًا من البالغين، ويُراعى فيها التوزيع حسب الجنس والعمر والتعليم والموقع (ريفي/حضري)، مما يجعل البيانات ذات مصداقية عالية وقابلة لتحليل السياسات بدقة.
يصف كثير من الباحثين هذه البيانات بأنها "المعيار الذهبي" في أبحاث الرأي العام في أفريقيا، لأنها توفر معلومات منتظمة موحّدة عبر دول متعددة وبأدوات مقارنة زمنية. البيانات التي يجمعها التقرير يتم تحويلها إلى مؤشرات تُستخدم في تقارير عالمية، مثل: مؤشر إبراهيم للحوكمة ومؤشرات الفساد العالمية والبنك الدولي، وتُتيح فهمًا أعمق لتوجهات الشعوب في القارة.
يضعف غياب البيانات الدقيقة اتخاذ القرار على مستوى السياسات في أفريقيا، فعندما لا تتوافر بيانات شعبية ثابتة ومنهجية عن رأي المواطن في أولويات، مثل: الاقتصاد أو الحكم أو الأمن أو الصحة، يصبح صانع القرار مضطرًا للاعتماد على تقديرات غير دقيقة أو بيانات غير ممثلة. وفي ظل غياب الإحصاءات المنتظمة، تتكرر نفس الأخطاء؛ تخصيص موارد في اتجاهات غير مطلوبة شعبياً، إهمال مشكلات جوهرية مثل البطالة أو الخدمات الأساسية، أو إعداد سياسات لا تتوافق مع واقع الناس. وجود بيانات قوية من مصادر مثل آفرو باروميتر يساعد الحكومات والمؤسسات على التخطيط المستند إلى أدلة بدلاً من التخمين.
لا تقل الحاجة إلى مراكز إحصاء وبيانات أفريقية قوية أهمية عن هذه الاستطلاعات، فرغم وجود بعض المؤسسات، إلا أن كثيرًا من الدول تفتقر إلى بنية بيانات متقدمة لتتبع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية بانتظام. وجود مراكز إحصاء وطنية وإقليمية قوية يساعد على؛ جمع بيانات أولية عالية الجودة، إنشاء مقاييس أداء حقيقيّة للحكومات عبر الزمن، تمكين التحليلات المتعمقة بدل التقديرية، وإقامة أساس قوي للسياسات القابلة للقياس والتقييم. بيانات موثوقة تُعزز أيضًا الثقة بين المواطن والحكومة لأنها توفر معيارًا واقعيًا يمكن الرجوع إليه في تقييم السياسات.
من حيث أهم القضايا التي تناولها التقرير في هذه الجولة، فهي تتوزع بين المجالات التقليدية والجديدة، حيث يعالج التقرير مشكلات مثل الديمقراطية والحوكمة، الأداء الاقتصادي وجودة الحياة، الخدمات الاجتماعية (كالتعليم والصحة)، التكلفة المعيشية، الهجرة، تغير المناخ، الصحة الجنسية والإنجابية، العدالة، وتمكين المرأة والشباب. هذه التوسعات تجعل التقرير لا يقتصر على القضايا السياسية فقط، بل يشمل الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه المواطن.
في ظل غياب الإحصاءات المنتظمة، تتكرر نفس الأخطاء؛ تخصيص موارد في اتجاهات غير مطلوبة شعبياً، إهمال مشكلات جوهرية مثل البطالة أو الخدمات الأساسية، أو إعداد سياسات لا تتوافق مع واقع الناس
عند قراءة بيانات هذه القضايا، تظهر أن غالبية المواطنين لا يزالون يفضلون الديمقراطية كنظام حكم، لكن رضاهم العملي عن عمل الديمقراطية في بلدانهم أقل من مستوى التفضيل النظري، ما يشير إلى فجوة بين ما يريدونه وكيف تُترجَم هذه القيم في الواقع. من ناحية اقتصادية، في دول مثل كينيا، يرى نحو 59٪ من المواطنين أن الاقتصاد يسير في الاتجاه الخاطئ، وأكثر من 90٪ يعارضون زيادة الضرائب على الوقود لأن ذلك يزيد عبء النفقات، فضلًا عن تحميل نحو 46٪ مسؤولي الضرائب مسؤولية الفساد، مما يعكس انزعاجًا عميقًا من الأداء الاقتصادي.
في قضايا اجتماعية تظهر نتائج أخرى عن دعم واسع للمبادرات التقدمية، مثل: حق المرأة في اتخاذ قرارات الزواج والإنجاب، حيث قال نحو 75٪ إن للنساء الحق في ذلك، و81٪ يعتقدون أن الفتيات اللاتي يحلمن في الحمل يجب أن يتمكن من مواصلة دراستهن، بالإضافة إلى دعم 73٪ لتدريس التربية الجنسية في المدارس.
من البيانات الأخرى المتعلقة بالهجرة، يُظهر التقرير أن نحو نصف الأفارقة قد فكروا في الهجرة إلى بلد آخر، ما يعكس حالة استياء من الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة، والتي تدفع الشباب على وجه الخصوص إلى التفكير في البحث عن فرص أفضل خارج بلدانهم.
بالنسبة لأهم المجالات التي تحسنت في نظرة بعض المواطنين، يأتي في مقدمتها وعي الحقوق والحريات المدنية ودعم بعض المبادرات الاجتماعية، مثل: دعم حق المرأة في اتخاذ القرارات الشخصية واستمرار التعليم للفتيات الحوامل، ما يعكس تحولات اجتماعية تدريجية في بعض المجتمعات الأفريقية نحو مزيد من المساواة. ترتبط هذه التطورات بزيادة الوعي المنهجي عبر السنوات المتتالية من الرصد والاستطلاع.
من قراءة بيانات الديمقراطية والخدمات العامة في التقرير، تتضح بعض نقاط التحسن ونقاط التراجع التي يمكن استنتاجها على مستوى إقليمي رغم الدعم الواسع للديمقراطية (حوالي 66٪ يفضلونها)، فإن مؤشرات رضا الناس عن الأداء الديمقراطي تتراجع في كثير من الدول مقارنة بجولات سابقة
أما المجالات التي تراجعت أو تعاني من تحديات متفاقمة، فهي واضحة في النظرة إلى الأداء الاقتصادي والحوكمة. ارتفاع مستويات القلق بشأن الاقتصاد، زيادة شعور المواطنين بأن الحكومات لا تدير الاقتصاد بشكل جيد، واستمرار تراجع مؤشر الرضا عن أداء الديمقراطية في بعض الدول مثل غانا (حيث انخفض الرضا بنسبة 29٪ مقارنة بفترات سابقة)، كلها تشير إلى أن الاستياء من الأداء الحكومي المتعلق بالاقتصاد والعدالة الاجتماعية يتصاعد في أجزاء كثيرة من القارة.
في دول القرن الأفريقي، تختلف الأولويات قليلاً لكنها تتلاقى في بعض المحاور الكبرى؛ في كينيا، على سبيل المثال، يشكل الوعي بتغير المناخ قضية حيوية، ويدعمها عدد كبير من المواطنين ضمن سلة القضايا العامة المرتبطة بالاقتصاد والبطالة والصحة، ويظهر دعم قوي لضرورة تحرك الحكومة تجاه تغير المناخ. في دول تقارب إثيوبيا والصومال وجنوب السودان، تشير التقارير الدولية إلى أن الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية (كالنفاذ للمياه والتعليم والصحة) غالبًا ما تكون من أهم أولويات المواطنين بسبب النزاعات المستمرة والأزمات الإنسانية المتشبعة في تلك الدول.
مقارنةً بـدول غرب أفريقيا مثل: غانا والسنغال وبنين، تدور الأولويات حول الاقتصاد والبطالة والتعليم أيضًا، لكن هناك اختلافات في ترتيب الأولويات وبعض المؤشرات. ففي غانا مثلاً، تُعد البطالة والبنية التحتية والخدمات الصحية من أبرز ما يأتي في مقدمة أولويات المواطنين، يليها التعليم، بينما في بعض دول غرب أفريقيا الأخرى مثل السنغال وبنين تشير بيانات سابقة للحصول على دعم اجتماعي قوي تمكن الحكومات من تحقيق نسب أعلى من الرضا في مجالات تمسّ جودة الخدمات العامة.
تُظهر مقارنة هذه المناطق أيضًا أن الرضا عن الديمقراطية والخدمات الحكومية قد يكون أعلى نسبيًا في بعض دول غرب أفريقيا التي حققت استقرارًا نسبيًا وسياسات إصلاحية، مقارنة ببعض دول القرن الأفريقي التي تواجه أزمات مستمرة وتحديات أمنية واقتصادية مركّبة
من قراءة بيانات الديمقراطية والخدمات العامة في التقرير، تتضح بعض نقاط التحسن ونقاط التراجع التي يمكن استنتاجها على مستوى إقليمي رغم الدعم الواسع للديمقراطية (حوالي 66٪ يفضلونها)، فإن مؤشرات رضا الناس عن الأداء الديمقراطي تتراجع في كثير من الدول مقارنة بجولات سابقة، إذ انخفض دعم الديمقراطية بنحو 7 نقاط مئوية في عدة دول، وترتفع احتمالية تقبل التدخل العسكري حين يعتقد الناس أن القادة المنتخبين يسيئون استخدام السلطة، وهو مؤشر مثير للقلق في سياق الحوكمة.
من ناحية أخرى، تظهر بعض المجالات التي تحسنت عبر السنوات من منظور التوجّه الشعبي نحو مبادئ الديمقراطية، مثل رفض حكم الفرد الواحد أو الحزب الواحد والاستمرار في دعم المنافسة الحزبية وحرية التعبير، وهي مكاسب قيمية تستمر رغم التراجع النسبي في الرضا عن الأداء الفعلي.
أما المجالات التي تراجعت فتكمن في مدى الرضا عن إدارة الحكومات للشؤون الاقتصادية والخدمات الأساسية، حيث تظهر بيانات انخفاضًا ملموسًا في مستويات الرضا عن الأداء الاقتصادي للسلطات، مع ارتباط ذلك بشكاوى المواطنين من ارتفاع تكاليف المعيشة، البطالة، ونقص الخدمات، ما يعكس فجوة بين تطلعات الناس وأداء السياسات الحكومية.
بالنسبة للتمييز بين دول القرن الأفريقي ودول غرب أفريقيا في ترتيب القضايا المهمة؛ دول غرب أفريقيا تميل في استطلاعات نسب أعلى من المواطنين إلى وضع البطالة والتعليم والصحة في صدارة أولوياتهم، بينما في القرن الأفريقي، إلى جانب تلك القضايا تظهر الأمن والاستقرار وتغير المناخ كقضايا ذات وزن كبير بسبب الظروف الجيوسياسية والبيئية التي تعيشها المنطقة، مثل موجات الجفاف والفيضانات وتأثيرات المناخ التي تضرب أفريقيا بشدة وتفاقم انعدام الأمن الغذائي والنزوح.
تُظهر مقارنة هذه المناطق أيضًا أن الرضا عن الديمقراطية والخدمات الحكومية قد يكون أعلى نسبيًا في بعض دول غرب أفريقيا التي حققت استقرارًا نسبيًا وسياسات إصلاحية، مقارنة ببعض دول القرن الأفريقي التي تواجه أزمات مستمرة وتحديات أمنية واقتصادية مركّبة، وهو ما ينعكس في تقييم المواطنين لأداء حكوماتهم عامة.
في المجمل، تقرير آفرو باروميتر يعكس صوت المواطن الأفريقي في لحظة حساسة من تاريخ القارة، حيث تتداخل تحديات الاستقرار الاقتصادي، وأداء الديمقراطية، والتغيرات الاجتماعية، ما يجعل البيانات ضرورة لا غنى عنها في اتخاذ كل قرار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي على المستويات الوطنية والقارية. استمرار بناء مراكز إحصاء وطنية وإقليمية قوية واستخدام البيانات المنهجية مثل هذه سيمكن صانعي القرار من صياغة سياسات واقعية تستجيب للتطلعات الفعلية للمواطنين، بدل الاعتماد على التخمين أو الاجتهادات غير المدعومة بدليل موثوق.