السبت 18 أبريل 2026
اسم «أديس أبابا» - أي «الزهرة الجديدة» - أطلقته الإمبراطورة تايتو بعدما رأت أشجار الأكاسيا المحيطة بينابيع فِلوها الحارّة، أولى مناطق السكن في المدينة. وهذه «الزهرة» ليست حجرًا وفولاذًا فحسب؛ بل مخطوطة حيّة أعادت الإمبراطوريات والمخططات الاستعمارية والجرافات كتابة سطحها مرارًا، وظلّت مع ذلك تحتفظ بإيقاع الذاكرة.
اختارت الإمبراطورة تايتو موقع المدينة عام 1886، في قرارٍ ترك بصمته على نشأتها المحلية. وخلال قرنٍ واحد تحوّلت من «تجمّع متباعد من المستوطنات» إلى «حاضرة أفريقية صاخبة». وفي مقالته «تأريخ أديس أبابا: نقد ومناقشة لفكرة "المدينة الإثيوبية"» يراجع شيميليس بونسا السردية الأكاديمية السائدة، وينتقد «السوابق» التي كتبها رحّالة وجنود ودبلوماسيون أجانب مطلع القرن العشرين؛ إذ «لم يتحدث معظمهم اللغات المحلية، وغالبًا لم يتفاعلوا مع السكان إلا مع بعض أفراد الطبقة الحاكمة»، فقرؤوا المدينة بمقياس اختلافها عمّا عرفوه في أوروبا.
عدتُ طالبًا بعد سنوات دراسةٍ على بُعد 365 كلم عن البيت، بمنظورٍ مزدوج: حميمٍ صاغته الطفولة، وبعيدٍ يتيح رؤية التحوّل بعينين جديدتين. تتجاوب تجربتي مع أفكار مارشال بيرمان في «كل ما هو صلب يذوب في الهواء»: وعدُ تقدّمٍ يمتزج بمحو العوالم الأليفة. يصف بيرمان مشهد الجرافات والرافعات والصخور الممزّقة وآفاق الخراب الممتدة، وكيف يتحوّل «الحيّ العادي اللطيف» إلى «أطلالٍ مبهِرة». هذا الإحساس يتجاوز الأمكنة: غواية التوسّع في مواجهة تدمير المألوف.
المدن مرايا لقلوب أهلها؛ فإذا خبا الوهج فيها خبا لمعان المدن. هكذا يذكّرنا شمس التبريزي كما يَرِد في «قواعد العشق الأربعون». وبين ليديتا و«أرات كيلو» تتردّد في أذني اللازمة الأمهرية “አጉል ተቆራኝቶኝ, ሃይለኛዉ ትዝታሽ ልረሳሽ አልችልም, በምን ሰበብ ልጥራሽ” وتعني: «أنا شديد التعلّق بذكراك؛ لا أستطيع نسيانك». فالمدن ليست ركام أبنية، بل طبقات من الحكايات والذكريات؛ ومع كل كوخٍ يُهدم وكل طريقٍ يُوسَّع تُطوى صفحة من ذاكرةٍ معيشة، غير أنّ روح أديس أبابا تظلّ معلّقةً بتلك اللازمة: "ልረሳሽ አልችልም" «لا أستطيع نسيانك».
قسّم الاحتلال الإيطالي المدينة، بين سنوات 1936 و1941، إلى مناطق للسلطة والخضوع: «Case INCIS» (مساكن موظفي الدولة)، و«Case Popolari» (المساكن الشعبية)، و«Quartieri Indigeni» (أحياء الأهالي). يصف بونسا ذلك بأنه ترسيخٌ لفصلٍ حضريٍّ عِرقي دخيل على المدينة. ويبيّن يوناس أشيني في «عبيد الدولة ومثقفو التنمية: جينيالوجيا التنمية في إثيوبيا» كيف جعل المخطّط الرئيسي لموسوليني من العمران أداة قمع: فصلٌ صارم بين «الحيّ الأوروبي» و«حيّ الأهالي»، وتقسيمٌ داخلي للأهالي وفق العِرق والدين.
لم يكن ذلك ضبطًا مكانيًا فحسب، بل عنفًا معرفيًا: تخيل المدينة على أساس تراتبيات العِرق والميراث والمعرفة. ورغم تراجع الفصل العِرقي بعد التحرير، تُعيد أبراج الزجاج والمجمّعات المسيّجة اليوم إنتاج تراتبياتٍ على أساس الثروة باسم «النمو الاقتصادي». يُهجَّر الفقراء، وتُسوّى أحياء «السِّفِر» في كازانتشيس وبيازا بالجرافات بوصفه ثمنًا للتقدّم. ويذكّر بيرمان بأن الروس عاشوا التحديث «كشيءٍ لا يحدث»، ما ولّد «عذاب التأخّر» ورغبةً محمومةً في اللحاق؛ وهو صدى حاضر في إثيوبيا، حيث تدفع رغبة تجاوز «عذاب التأخّر» لدى النخبة إلى إعادة إنتاج تراتبيات استعمارية، لا تُرسَم اليوم بقوانين العِرق بل بمُثُل الملكية.
المدن ليست ركام أبنية، بل طبقات من الحكايات والذكريات؛ ومع كل كوخٍ يُهدم وكل طريقٍ يُوسَّع تُطوى صفحة من ذاكرةٍ معيشة
قبل المخططات الإيطالية نمت أحياء السفوح نموًّا عضويًا منسوجًا بعلاقات الحياة اليومية والرعاية المتبادلة. يؤكّد بونسا أنّ «أديس أبابا كانت في جوهرها مدينةً محلية تقوم على فكرةٍ للمكان تختلف عن نظيرتها الغربية». ومع ذلك كثيرًا ما يتعامل المخطّطون المعاصرون معها كصفحةٍ بيضاء.
بعد 1941 حوّل نظام هيلا سيلاسي أديس أبابا إلى «الحضارة الجديدة» (Addis Śəlǝṭane)؛ مدينة نموذجية وحقل اختبارٍ للتنمية. يكتب أشيني أنّ «التنمية بشّرت بمصيرٍ موحّد للإنسانية، تصوغه نزعةُ الاستهلاك الجماهيري المحكومة بالسوق».
خلافًا لهذا المنطق، أصوغ مساري الشخصي عبر الذاكرة والموسيقى. أتجاهل المخططات وأمشي بين مربّعاتٍ أنهكتها مطارق الهدم قرب فندق «راس» والمسرح الوطني اللذين كانا يمنحان عزاءً جمعيًا بأشكالهما المألوفة. اليوم ترتفع أبراج تغيّر خطوط النظر وتقطع صلة السفح بالسوق، وتعمل الجرافات بلا هدنة تحت سردية كفاءةٍ تُقدَّم كدواءٍ مُرّ.
وسط هذا الاضطراب، تثبت ثلاثة مراسٍ: القصر الإمبراطوري (غِبّي)، والمجال الديني، وميركاتو (السوق). «القصر والكنيسة والسوق ظلّت تُشكّل بنية المدينة وشخصيتها وأنشطتها»، كما يكتب بونسا. وأنا أمشي، تتردّد لازمة «لا أستطيع نسيانك» في هذه الفضاءات: بوّابات القصر تستدعي ألم الألفة المفقودة، قباب ليديتا تبثّ السكينة، ومتاهة ميركاتو تهمس بالقوّة. في كلٍّ منها صراع بين التذكّر والنسيان، كأنّ السلطة والنسيان متلازمان.
في «شِعرية المكان» يكتب غاستون باشلار: «بيتنا زاويتنا من العالم… إنه كونُنا الأوّل». وقد وفّرت «السِّفِر» هذا الكون الأول لكثيرين في أديس أبابا بما احتضنته من تجارب مشتركة وأحلام وذكريات. لذلك يعيد تبدّل هذه الأمكنة تشكيل صميم الكينونة الفردية والجماعية، ولا يقتصر على التغيير المادي.
وتحت الواجهات الأنيقة والجادات العريضة لـ«الحضارة الجديدة» يسود - بحسب أشيني - منطق «السلطة الرعوية»: علاقة هرمية علمانية تتقمّص فيها الدولة دور الراعي باسم الخلاص عبر مسار التنمية. وعلى النقيض من مبادرات مجتمعية في عهد نظام الدرغ العسكري (1974–1991) أو بعد 1991، مثل التخطيط المرتكز على «إدير» (جمعيات التكافل التقليدية)، جاءت الكلفة اقتلاعًا واسعًا وتفككًا اجتماعيًا. غير أن تلك الخبرات كشفت أيضًا «سياسة بقاء» خفيّة تمتد في أوصال المدينة - قوّة مضادّة مؤسَّسة على الذاكرة والبنى القاعدية؛ «ذاكرة قوّة» لطرائق بناءٍ بديلة منسجمة مع إيقاع المكان، تتحوّل إلى مقاومة تذكارية.
رغم تراجع الفصل العِرقي بعد التحرير، تُعيد أبراج الزجاج والمجمّعات المسيّجة اليوم إنتاج تراتبياتٍ على أساس الثروة باسم «النمو الاقتصادي»
يرى بعضهم في تمدّد أديس أبابا «تمدينًا مفرطًا»، وهو رأي يسنده غيتاهون بنتي بأرقام السكان. لكن بونسا يحذّر من حكمٍ متعجّل، إذ «لا أدلة حاسمة على أن أديس أبابا مفرطة التمدين»، مع الإقرار بأن الخدمات الاجتماعية بلغت حدودها القصوى. وفي ختام مراجعته يدعو إلى «تصحيح الاختلال التأريخي وبناء أنماطٍ جديدة للتحليل الحضري الاجتماعي-التاريخي».
تستجيب تجربتي الشخصية لهذه الدعوة؛ فتغدو تأريخًا بديلًا- «كارتوغرافيا كهربائية للانتماء» لا تمحوها يدُ التقنوقراطية - وتدافع عن سردٍ مضادّ يقاوم رغبات النظام القائم ونزعاته التنموية، ولا سيما نزعات «حزب الازدهار» الحاكم في إثيوبيا. وأجدني أغرق في التفكير مرددًا:
“በሀሳብ እዋዣለዉ እያብሰለሰለኝ
እቴ የሀገርሽ መንገድ አሃ ይጉዳኝም ያክመኝ አሃ
ይሄስ ዉሎ ማደር አሃ ምንም አልጠቀመኝ አሃ”
«يا سيدتي، طريق بيتك—
أيلحق بي الأذى أم يشفيني؟
هذا المكوث وتمضية النهار لم ينفعاني البتّة».
لا تزال «الزهرة الجديدة» تتفتّح، غير أنّ بتلاتها تحمل آثار الجرافات وثِقْل الذاكرة. وأنا أحدّق من فوق ينابيع فِلوها إلى الزجاج والخرسانة اللذين يطبَعان صباح أديس أبابا اليوم، تعزف أغنية تيودروس في روحي إلى جانب تحذير بونسا.
ويتعمّق هذا المنظور بأفكار يوناس أشيني عن البُنى الراسخة للسلطة التي تشكّل هذه المدينة، مستنيرًا بالحكمة الدائمة التي نستخلصها من تأمّلات مارشال بيرمان في الحداثة، ومقرونًا بوعيٍ متنامٍ بالكلفة البيئية للحداثة، حتى في ظلّ حماية الضوء الرقيقة.
وقد حلم المصمّم والمعماري الإيطالي باولو سوليري، الذي تتلمذ على يد فرانك لويد رايت، بمستقبلٍ أركادي في عالمٍ مألوفٍ رتيب، عبر فكرة «الأركولوجيا» - مدنٌ تتناغم مع العالم الطبيعي من حولها ومع بعضها بعضًا، وتُتصوَّر مراكزُها الحضرية ككائناتٍ حيّةٍ دينامية. عند هذه العتبة يمكن إدراك ما تفقده أديس أبابا وما تكسبه - من إيمانٍ وانتماءٍ و«ذكرى قوية» تأبى الزوال - شرط الإنصات إلى الأغنية كما نصغي إلى دروس المعرفة.