الجمعة 12 ديسمبر 2025
في تطور سياسي مثير تشهده تشاد، قضت محكمة أنجمينا بالسجن لمدة 20 عاماً نافذة، وغرامة مالية قدرها مليار فرنك سيفا بحق الدكتور سيكسيه مسارا، رئيس حزب "المحوّلون" ورئيس الوزراء الأسبق المعارض الأبرز للرئيس محمد إدريس ديبي، على خلفية اتهامات تتعلق بأحداث مانداكاو، التي شهدت في مايو/آيار الماضي مواجهات دامية أسفرت عن مقتل العشرات.
رغم أن الحكم استند رسمياً إلى اتهامات بالتحريض على العنف والكراهية والتواطؤ في القتل، إلا أن سياق القضية وتوقيتها يثيران تساؤلات حول الدوافع الكامنة وراء ذلك، لا سيما أنه جاء بعد انتقادات شديدة من مسارا لتوجه الحكومة التي يقودها محمد إدريس ديبي، عقب إقصائه في الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية، وخسارته لمنصب رئيس للوزراء، وهو ما دفعه إلى الدعوة للحوار من أجل تصحيح المسار.
انطلقت جلسات القضية مطلع أغسطس/آب 2025، وتضمنت اتهامات ثقيلة شملت التحريض على التمرد والتورط في أعمال عنف دامية، أودت بحياة عشرات الأشخاص جنوبي البلاد. ورغم الطابع الجنائي المعلن، يرى مراقبون أن القضية تحمل أبعاداً سياسية واضحة، وتندرج ضمن صراع محتدم على السلطة بعد انتخابات رئاسية مثيرة للجدل عام 2024.
استند الأساس القانوني للحكم إلى تسجيل صوتي يعود إلى عام 2023، أي قبل عامين من أحداث "مانداكاو" في فترة كان فيها مسارا خارج البلاد في منفاه السياسي. في عام 2024، عاد بموجب اتفاقية كينشاسا التي منحته عفواً عاماً، ومهدت لتوليه رئاسة الوزراء في إطار ترتيبات المرحلة الانتقالية. لكن هذه الشراكة السياسية لم تدم طويلًا، فسرعان ما تدهورت علاقته بالسلطة عقب انتقاده العلني لنتائج الانتخابات الرئاسية، واتهامه النظام بعدم الالتزام باتفاقية توماي الموقعة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
نصت الاتفاقية على تقاسم السلطة لمدة عشر سنوات بينه وبين النظام، وضمنت لمسارا حتى في حال خسارته الانتخابات الرئاسية البقاء في منصب رئيس الوزراء، وهو ما أكده خلال جلسات المحاكمة، وقد اعتبر هذا التنصل من الالتزام من قبل السلطة الدافع الرئيس وراء تحريك ملفه القضائي.
رغم الطابع الجنائي المعلن، يرى مراقبون أن القضية تحمل أبعاداً سياسية واضحة، وتندرج ضمن صراع محتدم على السلطة بعد انتخابات رئاسية مثيرة للجدل
في هذا السياق، يرى إسماعيل طاهر المتخصص في الشؤون الأفريقية في حديثه لمنصة "جيسكا" أن هناك ثلاثة أهداف رئيسية يسعى النظام تحقيقها وراء إدانة الدكتور سكسيه مسارا، أول هذه الأهداف هو تبرير الحكم الصادر بحقه عبر اتهامه بالتحريض، بهدف تشويه صورته وتقديمه رجلا عنصريا ومحرضا على العنف وحمل السلاح والخروج على الدولة، وهي فرصة وصفها "إسماعيل" بالسانحة للنيل من رصيده السياسي. أما الثاني، يضيف "إسماعيل" فهو السعي لتفكيك صفوف حزب "المحولون"، مستشهدًا بسلسلة الانشقاقات التي شهدها الحزب مؤخراً على مستوى المكتب الوطني ومكتب الشباب. في حين يتمثل الهدف الثالث وفق المتحدث دائما في أن غياب مسارا عن المشهد السياسي سيخلق فراغاً على مستوى القيادة، قد ينعكس سلباً على درجة الانسجام الداخلي حتى في حال عودته من جديد.
أثار الحكم القضائي بحق المعارض التشادي سيكسيه مسارا انقسامات واضحة بين المعارضة والسلطة، فقد أعرب رئيس اتحاد الديمقراطيين من أجل التنمية (UDP)، ماكس كيمكوي، عن حزنه، لكنه لم يكن متفاجئًا منه، واصفا سرعة الإجراءات القضائية بأنها "دليل على استخدام النظام القضائي كأداة لقمع المنافسين السياسيين". وأضاف أن السلطات الحاكمة تحاول منذ عام 2023 القضاء على المعارضة بشكل نهائي، مؤكداً أن "المعارضة تواجه تحدياً صعباً في سبيل الحفاظ على الديمقراطية".
من جانب آخر، عبر محامو الدولة عن رضاهم عن سير المحاكمة، مؤكدين أن المحكمة استمعت إلى جميع المتهمين على مدار أربعة أيام قبل إصدار الحكم، ووصفوا القرار القضائي بأنه "تجسيد للعدالة المستقلة والنزيهة التي تحظى بدعم الشعب التشادي".
الخطوة قد تكون جزء من استراتيجية ممنهجة ينتهجها النظام التشادي منذ سنوات لإضعاف المعارضة، واستقطاب قياداتها في إطار سياسة تهدف لتحييد الخصوم السياسيين
وفي تصريح نقله موقع "rfi"، أكد وزير الإعلام المتحدث باسم الحكومة، قاسم شريف، استقلالية القضاء مشددًا على ضرورة احترام قراراته، وأشار إلى أن الحكومة لا تتدخل في المسائل السياسية للقضاء، وأن هناك أدلة كافية لإدانة المتهم. ودعا في الوقت نفسه إلى التزام الهدوء، وعدم المساس بسمعة النظام القضائي.
واعتبرت منظمات حقوقية من بينها "هيومن رايتس ووتش"، أن المحاكمة ذات دوافع سياسية، وأكدت أن الحكم على مسارا بعشرين عاماً يمثل ضربة أخرى للديمقراطية التشادية الهشة، وطالبت المنظمة بإطلاق سراحه. كما دعت المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا والرئيس الكونغولي تشيسكيدي، باعتباره وسيطا إلى التدخل لضمان احترام التزامات اتفاق كينشاسا، وطالبت أيضاً شركاء تشاد الدوليين بإدانة الحكم.
لم تمر سوى خمسة أيام فقط على إدانة رئيس الحزب "سيكسيه مسارا" حتى ضربت الانشقاقات صفوف الحزب، في مشهد يعكس الأزمة الحادة التي يمر بها. تمثل ذلك في استقالة الدكتور "سيتاك يومباتينا" أحد النواب الثلاثة للرئيس وأحد أعمدته الرئيسية، من منصبه ومن الحزب بشكل كامل.
برر سيتاك، الذي يعد شخصية محورية في الحزب، استقالته برغبته في التفرغ للنشاط الأكاديمي والبحث العلمي، مؤكداً في رسالة نشرها على حسابه في فيسبوك أنه اتخذ القرار بعد تفكير عميق وبكل استقلالية. إلا أن هذه المبررات لم تُقنع الكثيرين، وقد أثارت موجة من التكهنات على مواقع التواصل الاجتماعي وبين المراقبين.
فقد أرجعت بعض الآراء الخطوة إلى شعور "سيتاك" بالتهميش، بعد تعيين "بيدومرا كوردجي" مستشاراً استراتيجياً بمستوى نائب الرئيس لقيادة الحزب في غياب مسارا، وهو ما اعتبره البعض خرقاً للوائح الداخلية للحزب، إذ يرون أن سيتاك كان الأحق بقيادة المرحلة الأمر الذي دفعه للاستقالة.
تحدد موازين القوى والتفاهمات السياسية التي تجري خلف الكواليس مسار الأحداث أكثر، مما تفعله المؤسسات الدستورية أو القوانين
علق وزير الخارجية عبد الله صابر فضل على الاستقالة في منشور على فيسبوك قائلاً: "عندما نشعر أننا عديمو الفائدة ومحتقرون، فإن الخيار الوحيد هو الرحيل"، في إشارة ضمنية إلى خلفيات القرار.
أما السيناتور عبد الرحمن غلام الله، فتساءل عمّا إذا كانت الاستقالة تعكس أزمة داخلية حقيقية، أو نتيجة إحباط بعد عدم تولي سيتاك القيادة عقب إدانة مسارا، أو ربما لأن الأخير لم يره "جديرًا بالثقة" في هذه المرحلة الحساسة. وأضاف أن التفرغ للعمل الأكاديمي قد يكون مجرد ذريعة، قائلاً: "من يتذوّق طعم السياسة لا يتركها بهذه السهولة؛ لم أرَ يوماً إدماناً أشد منها".
في المقابل، ذهبت تحليلات أخرى إلى أن الخطوة قد تكون جزء من استراتيجية ممنهجة ينتهجها النظام التشادي منذ سنوات لإضعاف المعارضة، واستقطاب قياداتها في إطار سياسة تهدف لتحييد الخصوم السياسيين وإضعاف أحزابهم.
رغم الحكم القضائي الصادر بحقه، وما ترتب عليه من إقصاء مؤقت عن الحياة العامة، لا يستبعد أنصار "المحولون" عودة رئيسهم إلى الساحة السياسية في أي وقت. فعند مغادرته للمحكمة، قال لأنصاره "حافظوا على البيت، سأعود قريبًا"، في إشارة واضحة إلى عزمه مواصلة مسيرته السياسية. كما قام بخطوة لافتة عبر إعادة ترتيب قيادة حزبه، بتعيين "بيدومرا كوردجي" مستشاراً استراتيجياً بدرجة نائب الرئيس، ليتولى قيادة الحزب مع نوابه خلال فترة غيابه، في إجراء يعكس سعيه للحفاظ على تماسك الحزب، واستعداده لأي تطورات مفاجئة.
يعرف المشهد السياسي في تشاد بدرجة عالية من الغموض والتقلب، حيث تحدد موازين القوى والتفاهمات السياسية التي تجري خلف الكواليس مسار الأحداث أكثر، مما تفعله المؤسسات الدستورية أو القوانين. وفي هذا السياق، أبدى مسارا في الفترة الأخيرة مرونة أكبر مقارنة بالماضي، إذ أصبحت مطالبه السياسية أكثر واقعية، وأعلن في أكثر من مناسبة استعداده للتعاون مع النظام الحاكم، بعد أن كان يرفض ذلك مبدئيًا في سنوات المواجهة المباشرة.
لكن طريق العودة ليس معبّدًا بالكامل؛ فمسارا يواجه معارضة بعض الرموز النافذين في السلطة الذين يرونه تهديدًا مباشرًا لمصالحهم، ويخشون أن يسعى لتحقيق طموحاته عبر التغلغل التدريجي داخل مؤسسات الدولة وصولًا إلى قمة الهرم السياسي. هذا التخوف يعززه رصيد الرجل السياسي، وشبكة علاقاته الإقليمية والدولية، إضافة إلى مهارته في المناورة.
في المقابل يبدو النظام الحاكم بقيادة الرئيس محمد إدريس ديبي عازماً على إحكام قبضته على السلطة لفترة طويلة، ما قد يتعارض مع أي طموح سياسي مستقل لشخصيات معارضة بحجم مسارا.