أكد المشاركون في منتدى نجامينا الدولي للمياه والتنمية المستدامة أن التحدي الذي تواجهه العديد من الدول الأفريقية لم يعد يقتصر على نقص الموارد المائية، وإنما يمتد إلى ضعف إدارتها وغياب السياسات القادرة على ضمان توزيعها بصورة عادلة ومستدامة. وجاء هذا التقييم خلال جلسات المنتدى الذي استضافته العاصمة التشادية نجامينا بمشاركة مسؤولين حكوميين وخبراء في إدارة المياه وممثلين عن منظمات إقليمية ودولية، حيث ركزت المناقشات على تأثير التغير المناخي، والنمو السكاني، وضعف البنية التحتية، وتراجع الاستثمارات في قطاع المياه على مستقبل الأمن المائي في القارة. وأوردت إذاعة فرنسا الدولية أن عدداً من الخبراء شددوا على أن "المشكلة في بعض البلدان تتمثل في توافر المياه، كما تتمثل أيضاً في طريقة إدارتها"، معتبرين أن تحسين الحوكمة يمثل أولوية لا تقل أهمية عن زيادة الموارد المائية نفسها.
أوضح المشاركون أن عدداً من الدول الأفريقية يمتلك احتياطيات مائية كبيرة نسبياً، إلا أن محدودية شبكات التخزين والتوزيع، وارتفاع معدلات الفاقد، وضعف الصيانة، وعدم تكامل السياسات بين القطاعات المختلفة، عوامل تؤدي إلى استمرار أزمات المياه حتى في المناطق التي تتوافر فيها مصادر مائية مهمة. كما نوقشت التحديات المرتبطة بالإدارة المشتركة للأحواض النهرية العابرة للحدود، مع التأكيد على أن التعاون الإقليمي يمثل أحد الشروط الأساسية لتقليل النزاعات المرتبطة بالمياه وتعزيز التنمية الاقتصادية.
وركز المنتدى بصورة خاصة على أوضاع حوض بحيرة تشاد، الذي يضم تشاد والنيجر ونيجيريا والكاميرون، إضافة إلى أجزاء من جمهورية أفريقيا الوسطى. وأشار المتحدثون إلى أن المنطقة تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة التغيرات المناخية، والنمو الديموغرافي، وتوسع النشاط الزراعي، إلى جانب التحديات الأمنية التي تعيق تنفيذ مشاريع البنية التحتية الخاصة بالمياه. ووفقاً لـ لجنة حوض بحيرة تشاد، فإن تحسين إدارة الموارد المائية في الحوض يتطلب استثمارات طويلة الأجل في شبكات الري، ومحطات المعالجة، وأنظمة مراقبة الموارد المائية، فضلاً عن تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء.
كما ناقش المشاركون العلاقة المتزايدة بين الأمن المائي والأمن الغذائي، موضحين أن تراجع كفاءة إدارة المياه ينعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على الزراعة المطرية أو الري التقليدي. وأكد خبراء أن تحسين استخدام المياه في الزراعة يمكن أن يرفع الإنتاجية بصورة كبيرة من دون الحاجة إلى استهلاك كميات إضافية من المياه، وهو ما يتطلب تحديث تقنيات الري، وتشجيع الاستثمار في البنية التحتية، وتوسيع برامج التدريب للمزارعين. وأشارت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن الزراعة تستهلك نحو 70% من الموارد المائية العذبة في العالم، ما يجعل تحسين كفاءة استخدامها عاملاً أساسياً لتحقيق الأمن الغذائي.
تناول المنتدى أيضاً تأثير التغير المناخي على الموارد المائية في أفريقيا، حيث حذر خبراء المناخ من أن ارتفاع درجات الحرارة وتزايد فترات الجفاف وعدم انتظام الأمطار سيؤدي إلى ضغوط إضافية على الدول التي تعاني أصلاً من ضعف البنية التحتية المائية. وأكد المشاركون أن التكيف مع هذه التحولات يتطلب سياسات متكاملة تشمل حماية الأحواض المائية، وتحسين إدارة المياه الجوفية، والاستثمار في تقنيات إعادة استخدام المياه، وتعزيز نظم الإنذار المبكر لمواجهة الفيضانات والجفاف.
خلصت أعمال المنتدى إلى أن تحقيق الأمن المائي في أفريقيا لن يعتمد على زيادة الموارد الطبيعية وحدها، بل على بناء مؤسسات أكثر كفاءة في إدارة هذا المورد، وتطوير تشريعات حديثة تنظم استخدام المياه، وتعزيز الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الإقليمية. كما دعا المشاركون إلى زيادة التمويل المخصص لمشروعات المياه والصرف الصحي، باعتبارها استثماراً في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وليس مجرد قطاع خدمي، مع التأكيد على أن الإدارة الرشيدة للمياه أصبحت أحد أهم عناصر تحقيق أهداف التنمية المستدامة في القارة الأفريقية.