تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 7 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

15 مايو في الصومال: أزمة شرعية تهدد الفيدرالية والشحن العالمي

15 مايو, 2026
الصورة
15 مايو في الصومال: أزمة شرعية تهدد الفيدرالية والشحن العالمي
Share

أدّت عودة القرصنة في قبالة الساحل الصومالي، في الآونة الأخيرة، إلى رفع مركز المعلومات البحرية المشتركة مستوى التهديد المرتبط بالقرصنة قبالة سواحل الصومال وفي الحوض الصومالي إلى مستوى "شديد".

بلغت القرصنة الصومالية ذروتها بين عامي 2011 و2012، وكبّدت الاقتصاد العالمي نحو 7 مليارات دولار إضافية في عام 2011 وحده، وفقًا لأحد التقديرات. غير أن المشهد الحالي يختلف عن تلك المرحلة؛ ففي السابق كانت القرصنة عرضا مباشرا لانهيار النظام السياسي في الصومال، أما عودة الهجمات مؤخرا فتبدو مدفوعة بنزعة انتهازية مرتبطة بتحولات جيوسياسية تراكمت خلال الأشهر القليلة الماضية.

لا تزال البعثة البحرية الأوروبية، القوة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي "EU NAVFOR" ضمن عملية أتالانتا، تراقب هذه المياه، وتسيّر دوريات فيها بالتنسيق مع شركاء ثنائيين. لذلك، لا يمكن تفسير الزيادة الأخيرة بتراجع كبير في الدوريات أو المراقبة أو قدرات الردع، بل بديناميكيات جديدة نجمت عن اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير/شباط، وما تبعها من إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب استمرار التنسيق بين حركة الشباب والحوثيين، وهو تنسيق يمكنه استغلال بيئة القرصنة في المنطقة. والأهم أن هذه التطورات أدت إلى زيادة حركة الشحن حول الصومال.

كانت القرصنة عرضا مباشرا لانهيار النظام السياسي في الصومال، أما عودة الهجمات مؤخرا فتبدو مدفوعة بنزعة انتهازية مرتبطة بتحولات جيوسياسية تراكمت خلال الأشهر القليلة الماضية

مع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بات مضيق باب المندب، عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، واحدا من أكثر نقاط الاختناق أهمية في الاقتصاد العالمي. فالسعودية تنقل ملايين البراميل من النفط يوميًا عبر خط أنابيب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر للحفاظ على تدفق صادراتها. في المقابل، قلّصت شركات الشحن حركة العبور عبر مضيق باب المندب ردًا على الحرب. ففي الأسابيع الأولى من الحرب على إيران، علّقت كبرى شركات نقل الحاويات، من بينها ميرسك وCMA CGM وهاباغ-لويد، بعض خدماتها المجدولة التي تمر عبر المضيق أو حوّلت مسارها. وجاء ذلك فوق هجمات الحوثيين على السفن، التي كانت قد خفّضت حركة الملاحة بالفعل بدرجة كبيرة، ما أدى إلى مزيد من التراجع.

بدلًا من المرور عبر مضيق باب المندب، أُعيد توجيه مسارات الشحن حول جنوب أفريقيا ورأس الرجاء الصالح. وتشير التقديرات إلى أن نحو 70 ٪ من حركة الشحن البحري التي كانت تمر سابقًا عبر البحر الأحمر باتت تسلك الآن طريق الطرف الجنوبي لأفريقيا. كما تذهب تقديرات أخرى إلى أن حركة الشحن حول رأس الرجاء الصالح زادت في مارس/آذار من هذا العام بما يصل إلى 112٪.

تقع الصومال عند تقاطع ممرات الشحن المتجهة إلى البحر الأحمر والمسارات البحرية القادمة من جنوب أفريقيا والمتجهة إليها. ومع أن معظم السفن لا تزال تختار مسارات بعيدة نسبيًا عن الساحل بدلًا من الإبحار بمحاذاته، فإن زيادة الحركة البحرية في المنطقة تخلق فرصًا جديدة لعودة القرصنة.

المصدر: القوة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي EU NAVFOR
المصدر: القوة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي EU NAVFOR

أزمة الشرعية الاتحادية في الصومال

في الوقت نفسه، أدّى التركيز على عودة القرصنة الصومالية إلى صرف الأنظار عن نزاع دستوري متصاعد بين الحكومة الاتحادية في مقديشو وقيادات الولايات الاتحادية الأعضاء. فبموجب الدستور المؤقت الصومالي لعام 2012، من المقرر أن تنتهي ولاية الرئيس حسن شيخ محمود في 15 مايو/أيار 2026. لكن البرلمان الاتحادي أقر في مارس/آذار، ضمن عملية مراجعة تهدف إلى الانتقال من دستور مؤقت إلى دستور دائم، حزمة من التعديلات الدستورية، شملت تعديلا يمدّد ولاية كل من الرئيس والبرلمان من أربع سنوات إلى خمس. وتقول الحكومة إن هذا التعديل ينطبق على الإدارة الحالية، ما يعني، وفقًا لموقفها، أن ولاية الرئيس حسن شيخ محمود ستنتهي في 15 مايو/أيار 2027.

كل نظام سياسي يشهد قدرا من الشد والجذب في توزيع السلطة بين المركز والكيانات اللامركزية، لكن 15 مايو/أيار يمثل اختبارًا حقيقيًا لترسيخ النظام السياسي في الصومال. فأي تصدع في شرعية الدولة الاتحادية قد يهدد المكاسب ويفتح الباب أمام تداعيات أوسع.

غير أن قادة المعارضة وعددا من الولايات الاتحادية الرئيسية، ولا سيما الإدارتين المؤثرتين في بونتلاند وجوبالاند، رفضوا هذا التغيير رفضا قاطعا. وكان رئيس بونتلاند، سعيد عبد الله دني، واضحا في موقفه، إذ قال إنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فإن "الحكومة الاتحادية لن تُعد قائمة" اعتبارًا من ذلك التاريخ. ولا يعتقد إلا عدد محدود جدا، إن وُجد، أن اتفاقا يمكن أن يُبرم قبل 15 مايو/أيار.

قد يبدو من السهل النظر إلى هذه الأزمة باعتبارها حلقة جديدة في سلسلة طويلة من عدم الاستقرار السياسي في الصومال. فتحديات الحكم في البلاد معروفة ومتجذرة، بل باتت متوقعة لدى كثيرين. غير أن هذا التوصيف لا يلغي حقيقة أن مسار الحكم في الصومال خلال السنوات الخمس عشرة الماضية شكّل إنجازًا فعليًا في بناء الدولة، رغم ما شابه من نقص وهشاشة وتعثر.

فعندما حلّت الحكومة الاتحادية الصومالية محل الحكومة الاتحادية الانتقالية عام 2012، بدعم من إطار حظي بمساندة دولية، كان على البلاد أن تعيد بناء معظم مؤسسات الدولة أو تؤسسها أو تدمجها من جديد. وما حدث بعد ذلك عكس قدرا حقيقيا من التقدم. فقد أصبحت كيانات سياسية جديدة على المستوى دون الوطني، تُعرف بالولايات الاتحادية الأعضاء - جوبالاند، وولاية جنوب غرب الصومال، وغلمدغ، وهيرشبيلي - وحدات سياسية قائمة وفاعلة، تمتلك قوات أمنية وإدارات محلية ومصادر إيرادات آخذة في التطور. كما جرى تأسيس مئات الإدارات المحلية رسميًا داخل هذه الولايات.

أما الجيش الوطني الصومالي، فرغم أنه لا يزال يتراجع أمام حركة الشباب في مناطق عدة، فقد تطور إلى قوة أكثر مهنية قادرة على تنفيذ عمليات مستمرة. وكانت القوة البحرية الإقليمية في بونتلاند أول من استجاب لهجمات القرصنة الأخيرة. وفي موازاة ذلك، طوّرت الصومال علاقات اقتصادية جديدة، وانضمت عام 2023 إلى مجموعة شرق أفريقيا، بما عزز اندماجها في منظومة الحوكمة الاقتصادية الإقليمية.

لا يعني ذلك أن الصومال أصبح كيانًا سياسيًا مستقرًا ومتماسكًا بالكامل. فحركة الشباب لا تزال تمثل تهديدًا خطيرًا؛ إذ عكست في عام 2025 مكاسب ميدانية مهمة حققتها الحكومة الاتحادية، وأبقت نقاط تفتيش في مواقع تمكّنها من تهديد مقديشو، كما تدير أنظمة جباية موازية في مناطق عدة من البلاد. ولا يزال الوضع الإنساني شديد الصعوبة ومتكرر الأزمات، فيما يظل النظام السياسي عرضة لهيمنة النخب والصراعات الداخلية. أما الاقتصاد، فلا يزال صغيرًا للغاية مقارنة بغيره.

مع ذلك، اكتسبت بنية الدولة الاتحادية في الصومال قبولا حقيقيًا، وترسخت مؤسسيًا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، مستفيدة من استثمارات دولية كبيرة في رأس المال السياسي، ومن دعم واسع وموارد عسكرية قدمتها الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الأوسع.

الدبلوماسية كمسار لتفادي الانقسام

كانت الولايات المتحدة من أكثر الشركاء الخارجيين تأثيرًا في الصومال خلال هذه المرحلة. فمنذ عام 2012، قدمت واشنطن عدة مليارات من الدولارات في صورة مساعدات عسكرية، ودعم لعمليات حفظ السلام، وبرامج للحوكمة، سواء إلى الصومال مباشرة أو إلى بعثات متعددة الأطراف مرتبطة به، مثل: بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، وبعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى الصومال. كما عملت القيادة الأميركية في أفريقيا بشراكة مباشرة مع الحكومة الاتحادية والجيش الصومالي والولايات الاتحادية الأعضاء، من خلال تنفيذ ضربات جوية استهدفت حركة الشباب وفرع تنظيم داعش في الصومال. ويضاف إلى ذلك سنوات من الدعم الأميركي في تدريب القوات الخاصة، وتجهيز الوحدات العسكرية، والدفع باتجاه تخفيف أعباء الديون، وتسهيل الاستثمار الدولي.

إن النزاعات السياسية الداخلية في الصومال قد لا تحظى باهتمام كبير في النقاشات الدولية الراهنة، فإن تداعياتها قد تكون مهمة لمستقبل الشحن البحري العالمي والاقتصاد الدولي

لكن السؤال المطروح هو ماذا سيحدث لإرث هذا الدعم، وللتقدم السياسي الحقيقي الذي أحرزته الصومال خلال العقد ونصف العقد الماضيين، إذا انهارت شرعية الحكومة الاتحادية؟ صحيح أن كل نظام سياسي يشهد قدرًا من الشد والجذب في توزيع السلطة بين المركز والكيانات اللامركزية، لكن 15 مايو/أيار يمثل اختبارًا حقيقيًا لترسيخ النظام السياسي في الصومال. فأي تصدع في شرعية الدولة الاتحادية قد يهدد المكاسب التي تحققت خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، ويفتح الباب أمام تداعيات متسلسلة أوسع.

وتواجه الصومال هذا التحدي في لحظة مضطربة على أكثر من مستوى؛ في جوارها القريب، وفي مسارات التجارة الدولية، وحتى في علاقاتها مع شركائها الدوليين. ويثير هذا الاختبار الوشيك تساؤلات جدية حول قدرة المؤسسات القائمة على الاستمرار والتماسك في ظل تنافس النخب وتنازع الشرعية. وقد يجد الشركاء الخارجيون أنفسهم، في مرحلة ما، مضطرين إلى الانحياز إلى طرف داخل النزاع السياسي، وهو ما قد يزيد الضغط على سلطة الحكومة الاتحادية ويعمق الأزمة.

وفي الوقت نفسه، بدا المجتمع الدولي، الذي كان في محطات كثيرة عنصرًا حاسمًا في مسار الانتقال السياسي في الصومال، أقل حضورًا في التعبير عن موقف واضح من الأزمة الراهنة. ولهذا الغياب أثر ملموس في بنية الحكم في البلاد. ومع أن حدوث استجابة دولية مؤثرة لا تلوح في الأفق مع اللحظة الجيوسياسية الحالية، فإن انخراطًا دبلوماسيًا بنّاءً يمكن أن يفتح المجال أمام المصالحة، ويوفر مسارًا توافقيًا للمضي قدمًا، بما يدعم الهياكل السياسية الصومالية ويعززها. وهذه الهياكل، رغم عيوبها، تزامن ترسخها مع تراجع بعض التهديدات العابرة للحدود المنطلقة من الصومال، وفي مقدمتها القرصنة.

وبينما تتصدر القرصنة قبالة الساحل الصومالي العناوين، فإن النظر إلى المشهد السياسي الداخلي من زاوية أوسع يكشف أن الخطر الأعمق يتمثل في تهديد مكاسب الاستقرار النسبي التي حققتها البلاد. فالقرصنة تعود حين تتوافر شروطها. والحوادث الأخيرة تبدو ناجمة عن نزعة انتهازية غذّتها تحولات مسارات الشحن بفعل ديناميكيات جيوسياسية متغيرة.

غير أن القرصنة على المدى الطويل تنمو عادة في ظل سواحل غير خاضعة للحكم، ومؤسسات ضعيفة، وكلفة سياسية منخفضة. ومن هنا، يشكل 15 مايو/أيار اختبار ضغط حقيقيًا للبنية الاتحادية في الصومال؛ تلك البنية التي أسهمت، رغم قصورها، في الحد تدريجيًا من الظروف التي تسمح بعودة القرصنة خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. ورغم أن النزاعات السياسية الداخلية في الصومال قد لا تحظى باهتمام كبير في النقاشات الدولية الراهنة، فإن تداعياتها قد تكون مهمة لمستقبل الشحن البحري العالمي والاقتصاد الدولي.